ثقافة في قسم نظرة ما: المخرج الروسي كانتمير بالاغوف يتألق من جديد
بقلم الناقد طاهر الشيخاوي- مراسلنا من مهرجان كان
كنا عبّرنا عن اعجابنا بالمخرج الروسي كانتمير بالاغوف من خلال شريطه "تستونا" الذي عُرض منذ سنتين بمهرجان كان ولن نتراجع هذه السنة عن شعورنا ذلك إزاء هذا الشاب الصاعد الذي لم يبلغ بعد سن الثامنة والعشرين بعد عرض "فتاة كبيرة" في قسم "نظرة ما".
اللحظة كانت متميزة في البرمجة. السياق التاريخي يختلف عن سياق عمله الأول وطريقة التصوير كذلك، فالقصة تدور بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، والأسلوب يبدو أكثر ثباتا وأقرب للكلاسيكية في تقنيات التصوير والسرد : كادر محكم للغاية، اختيار للألوان الباهتة الباردة ولقطات طويلة تحتوي على التركيب أكثر مما تخضع له، وتحكم في الزمن السردي مذهل مع توزيع دقيق للأحداث وإدارة ممثلين لا تشوبها شائبة.
كل ذلك جعل بعض النقاد في فرنسا يرون في الفيلم تراجعا عن الأسلوب الحي الذي اتبعه المخرج في "تستونا" وسقوطا في فخ الأكاديمية المفرطة والإبتعاد عن المخاطرة الخلاقة. وهذا في تقديري فهم معكوس بل مجانب تماما للميزة الحقيقية للفيلم : قدرة فائقة على شرح بل تشريح السياق السياسي بعد الحرب في الاتحاد السوفياتي ورصد التحولات الإجتماعية وتأثيرها على الفرد في علاقته مع ذاته ومع الآخر.
ركز المخرج على وحدة المكان وهذا مهم، مستشفى يعالج فيه مصابو الحرب والشخصيات الرئيسية ممرضات وهذا أهم. طبعا لا يعتبر هذا النوع من الاختيار متفردا نظرا لتكراره في تاريخ الأدب والسينما بعد الحرب، كما لا يعتبر التركيز على الشخصيات الأنثوية تجديدا ولكن هذا إطار عام لا يدل على شيئ في ذاته بل ما يبرر إعادة إنتاجه يكمن في طريقة المعالجة والتغيير الدقيق لوجة النظر.
الخلفية واضحة وهي النظام الستاليني الذي لم يذكره المخرج مباشرة ما عدا مرة واحدة عند التفوه بكلمة القائد فليست الستالينية هي موضوع النقد وإنما النظام بصورة أعم الذي هو بصدد الترّكز بعد الحرب في مواصلته لعدم اعتبار الإنسان في كيانه الأول أي في طبيعته الجسدية.
المتابعة اللصيقة للشخصيات في علاقتها مع جسدها جعلت المخرج يقرأ المادية -تاريخية كانت أم لا، ستالينية أو ليبرالية- التي أسست لما بعد الحرب، المادية العقلانية القاهرة المعتزة بذاتها الذكوري وإيمانها بأهمية تشييد المؤسسات، جعلته يقرأها من خلال مادية أخرى (الكلمة ضعيفة)، رهيفة تضع في المركز الكيان البشري في كينونته والجسد في جسديته.
من هنا جاء الاهتمام بالمرأة لا كجندر وإنما كإنسان يحمل كلُّ جزء من أجزائه نبض الحياة، وهناك يكمن الإقتراح في ما بدأ منذ تلك اللحظة يتغير في العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة وبين المرأة والمرأة في شروط مواصلة الحياة وإعادة انتاجها.
ولكن الشريط لم يسقط في السيكولوجية المفرطة التي حوّلت السينما الغربية إلى وجهة تبدو مناقضة للكليانية والدكتاتورية ولكنها فتحت مجالا لدكتاتوريات جديدة مجرّدة بعناوين مناصرة شكليا لحقوق الفرد ولكنها تؤسس عمليا لسلط جديدة لا تقل عنجهية عن تلك التي أدت إلى الحرب العالمية الثانية والتي نرى الآن إلى ما أدت إليه.
هذا كله لا يقال في الشريط بهذه الطريقة ولكن بأسلوب سينمائي دقيق يعيد قراءة المنظومة السردية الكلاسيكية مفككا بدقة ورهافة تركيبة ما بعد الحداثة على الطريقة الروسية (وهي ميزة أخرى) انطلاقا من دستويفسكي إلى سوكوروف مرورا بايزنشتاين وتاركوفسكي.